القاضي التنوخي

30

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

ومثل قوله وقد وصف مصحفا بالعتق ، فقال : هو كسرويّ « 1 » ، وأمثال هذا على كثرته عنه ، وتواتر الرواية له . فقال لي : أمّا أمر المقعدة ، وإي لعمري ، وما كان من هذا الجنس ، فكذب ، وما كانت فيه سلامة « 2 » تخرجه [ 11 ب ] إلى هذا ، وما كان إلَّا من أدهى الناس وأخبثهم « 3 » ، ولكنّه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا ممّا حكي عنه ، بسلاسة طبع « 4 » كانت فيه ، ولأنّه كان يحبّ أن يصوّر نفسه عندهم بصورة الأبله ، ليأمنه الوزراء ، لكثرة خلواته بالخلفاء ، فيسلم عليهم ، وأنا أحدّثك عنه بحديث حدّثنا به ، لتعلم معه إنّه كان في غاية الحزم ، وإنّ فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي عنه . فقلت : أحبّ أن تفعل . قال : حدّثنا أبي قال : إنّ أبا الحسن بن الفرات « 5 » ، لما ولي بعض

--> « 1 » كتاب الهفوات 148 . « 2 » السلامة : يقصد بها الغفلة . « 3 » في ط : أعنتهم . « 4 » في ط : لسلامة طبع . « 5 » أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات : بنو الفرات أصلهم من أعمال دجيل ، وهم من أجل الناس فضلا وكرما ونبلا ، ووفاء ، ومروءة ، وكان أبو الحسن علي بن الفرات من أجل الناس وأعظمهم كرما وجودا ، وزر للمقتدر أول مرة لما وقعت له الفتنة ، وخلع ، وبويع ابن المعتز ، ثم استظهر المقتدر واستقرت الخلافة له ، وولي ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر ، وكان إذا ولي الوزارة يغلو الشمع والثلج والكاغد ، لكثرة استعماله لها ، لأنه ما كان يشرب أحد كائنا من كان في داره ، في الفصول الثلاثة ، إلا الماء المثلوج ، وما كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا وبين يديه شمعة كبيرة نقية ، صغيرا كان أو كبيرا ، وكان في داره حجرة معروفة « بحجرة الكاغد » ، كل من دخل واحتاج إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها . وقد وزر أول مرة ، في السنة 296 ، وثاني مرة سنة 304 ، ووزر للمرة الثالثة في السنة 311 ، فأطلق يد ولده المحسن في - الناس ، فآذاهم وعذبهم ، فتألبوا عليه ، وأفسدوا رأي المقتدر ، فقبض عليه وعلى ولده في السنة 312 وقتلهما صبرا . ( الكامل لابن الأثير 8 / 149 ، الفخري 265 ) .